وكالة كليوباترا للأنباء
بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
في فن التمثيل: الاحترام ليس مجرد سلوك مهذب، بل هو ركن أساسي لنجاح أي عمل فني واستمرارية الممثل، ويمتد مفهوم الاحترام ليشمل عدة جوانب، بدءا من احترام الجمهور، مرورا باحترام فريق العمل، وصولا لاحترام المهنة نفسها، وهذا – ما يبدو لي على الأقل – هو منهج الفنانة الكبير (مديحة حمدي) التي تعتبر أن احترام المشاهد أهم عامل في التمثيل، ويتحقق بتقديم أعمال هادفة وراقية، وتجنب الابتذال.
اقترن الاحترام بالفنانة القديرة (مديحة حمدي) على مدار رحلتها التي تمتد لأكثر من 60 عاما باحترام كل شخص في موقع التصوير، من الممثلين إلى عمال الإضاءة، فكل فرد يساهم بخبرته في نجاح العمل، واحترامهم يخلق بيئة عمل إيجابية.
والفناة الكبيرة (مديحة حمدي) تدرك جيدا أن التمثيل يتطلب انضباطا، وتواضعا، ووعيا، وثقافة واسعة، وليس فقط الموهبة، ويشمل ذلك: احترام المواعيد، واحترام حيثيات العمل الدرامي، انطلاقا من حقيقة أن الفن والتمثيل مهنة راقية عندما تبتعد عن التنازلات، وتقدم محتوى محترما يخدم المجتمع، لذا يعتبر كثيرون من العقلاء أن الاحترام هو (التريند) الحقيقي الذي يترك هيبة للممثل وموهبته، بعيداً عن السعي وراء الشهرة السريعة.
في منهج الفنانة القديرة (مديحة حمدي) الراسخ: أن الإحترام ليس خوف.. والذوق ليس تمثيل.. والخصوصية ليست إنعزالية.. والثقة ليست تكبر.. الإصرار ليس عنادا.. الصراحة ليست وقاحة، كما أن صاحب المبدأ ليس بمعقد.. الإنتقام ليس قوة.. المنظر ليس فخامة.. والعفو ليس قلة حياء.
ومن هنا فهى تؤكد طوال مسيرتها الطويلة أن السكوت غالبا ليس علامة رضا.. والتذاكى ليس بذكاء.. فاقد الشيء غالباً يعطيه لأنه حس بحرمانه.. وليس كل من يمثل دور الضحية برىء.. وفى النهاية أهم شئ أتمنى أن يعلمه الجميع الطيبة والتسامح ليس سذاجة ولاغباء أو ضعف.
ولقد لاحظت من متابعتي لرحلة الفنانة القديرة (مديحة حمدي) أن أسلوبها يجنح كثيرا إلى أن التمثيل الهادئ أو (القليل)، رغم اعتباره أحيانا كأن الممثل لا يفعل شيئًا، لكن في الحقيقة، ضبط المشاعر وعدم إظهارها قد يكون أصعب بكثير من المبالغة فيها.
عنوان الفنانة (مديحة حمدي) هو السكينة في جوهرها النبيل
عنوانها هو السكينة في جوهرها
وظني أن بعض الأداءات لا تلفت الانتباه من أول مشاهدة، لكنها تبقى في الذاكرة، لأن قوتها فيما لم يقل أو لم يظهر.. نظرة، صمت، نفس قصير.. أشياء بسيطة لكنها محملة بمعان كثيرة وموحية، ما يعني من وجهة نظرها أن الحد الفاصل بين التمثيل المتحفظ الحقيقي، وبين أن يكون الأداء ضعيفا فعلا؟
من هذا المنطلق: أستطيع القول بأن عنوان الفنانة (مديحة حمدي) هو السكينة في جوهرها النبيل: الشخص الهادئ يميل إلى التمتع بالسكينة والهدوء في مختلف المواقف، كما تميل إلى التفكير بعمق قبل اتخاذ القرارات أو التحدث، والشخص الهادئ غالبا ما يكون مستمعا جيدا، حيث يفضل الاستماع أكثر من التحدث، كما أنه يمتلك القدرة على التحكم في انفعالاته وانطباعاته، وغالبا ما يظهر ردود فعل هادئة في المواقف الصعبة.
مدرب التمثيل الكبير والشهير الدكتور (محمد عبد الهادي)، يقول أن التمثيل مهنة صعبة، وهناك فرق مابين آليات التمثيل وفن التمثيل، حيث إننا في الحياة نلعب أدوارا وشخصيات مختلفة، وهذا مايسمي بآليات التمثيل، وأي شيء في الدنيا يتحول الي فن عندما يكون هناك قواعد.
ومن هنا نلحظ أن الفنانة (مديحة حمدي) تدرك جيدا أن التمثيل هو فن قائم علي التكنيك (الحرفية)، والحرفة هى أن يعرف الإنسان ما يمتلكه من أدوات في مجال والممثل لديه رؤية متعلقة بالشخصية الدرامية ، وهذا هو جوهر القواعد التي يشير لها (عبد الهادي).
كما أنها تؤمن أن التمثيل فن صعب لأن أدواته هى الممثل نفسه، وأداة الممثل هى جسده وصوته وهو مايطلق عليه القانون الذاتي فإن كل ممثل لديه مفاتيحه الخاصة وعليه أن يبحث عنها ويوظفها، فالتعبير بالوجه يغني عن 100 كلمة، وهو ما نلمحه جيدا في طريقة أداء (مديحة حمدي)، ولنتأمل جيدا كيفية تنمية الصوت ومن أهمها مخارج الألفاظ عندها، تأكيدا على أن كلامنا في الحياة يختلف عن كلامنا في التمثيل.
أيضا من الأشياء المهمة التي تعنى بها (مديحة حمدي): التلوين الصوتي لأننا لا نتعامل في التمثيل مع المعني الحرفي للجملة، وهو من أسوأ أنواع التمثيل فالتمثيل متعلق بما وراء الكلام وهو هدف الشخص من الكلام ومن المهم جدا التمرين علي التلوين الصوتي وما يتعلق بقواعد الالقاء، وهو استخدام طبقات الصوت وأن نتنفس بشكل صحيح فإن أساس التمثيل هو الإلقاء.

على الرغم من موهبتها الكبيرة التي ظهرت منذ الصغر، إلا أنها لم تحترف التمثيل إلا في سن الشباب
احترفت التمثيل في سن الشباب
ولدت الفنانة الكبيرة (مديحة حمدى) فى عام 1941 بحي شبرا، واسمها الحقيقى (مديحة محفوظ أحمد حمدي)، وهى ابنة لأب قاهري يعمل في مجال الطيران وأم صعيدية، تعلمت بمدرسة الراهبات الفرنسية وتعلمت في مدرسة الراهبات الفرنسية، وفي مرحلة الثانوية التحقت بمدرسة (القبة الثانوية بنات)، ثم بعد ذلك التحقت بكلية التجارة جامعة (قسم إدارة أعمال) عين شمس وتخرجت في المعهد الفنون المسرحية.
على الرغم من موهبتها الكبيرة التي ظهرت منذ الصغر، إلا أنها لم تحترف التمثيل إلا في سن الشباب، نظراً لصعوبة موافقة والدها على دخولها الوسط الفني، ولقبت بين أفراد عائلتها بـ (الطفلة النابغة)، فقد كانت تقلد كل من (صباح، فايزة أحمد، شادية، وفاتن حمامة).
حصلت على الفرصة الحقيقية لدخول الوسط الفني بصعوبة شديدة بعدما وافق والدها على أن تحترف ابنته التمثيل، وذلك بجانب غنائها بعض المقاطع من أغاني الأفلام، وكانت بدايتها الفنية في كلية تجارة جامعة عين شمس، حينما انضمت (مديحة حمدي) إلى فريق التمثيل وساعدتها والدتها، وأقنعت والدها أن تشترك في فريق التمثيل.
بعد ذلك التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية وحصلت على البكالوريوس، وقفت لأول مرة على خشبة مسرح الأوبرا القديمة، لتقدم مسرحية (زعيمة النساء)، وكانت تقدم دور البطولة، وحصلت على الميدالية الذهبية.
بعد تخرجها من المعهد العالي للفنون المسرحية لمعت في الإذاعة، كان أول عمل لها بشكل احترافي، مسرحية (السكرتير الفني) التي شاركت فيها مع الفنان فؤاد المهندس، و رشحها للدور المخرج سيد بدير.
في أوائل الستينات مع بدايات التليفزيون المصري بدأت الفنانة القديرة (مديحة حمدي) أولى خطواتها، في طريق الفن ولفتت الأنظال إليها بقوة من خلال مسرحية (الحيوانات الزجاجية).
والتى تدين لها بالفضل الأساسي في تلمس الطريق الصحيح لتكوين شخصية الفنان، حيث زاملت الفنانة الكبيرة الراحلة (نعيمة وصفي) التى غرزت بداخلها أهمية الثقافة بالنسبة للفنان مما دفعها للقراءات المختلفة في كل ما يكتب عن المسرح.
وعندما أنشأ التليفزيون مسارحه عام 1962 تقدمت للمسابقة المعلنة عن هذه المسارح ونجحت بتفوق لتبدأ أول عمل لها من خلال مسرحية (السكرتير الفني) وسط باقة من النجوم منهم فؤاد المهندس، وشويكار، وعبدالمنعم مدبولي.
ثم اختارها المخرج نور الدمرداش لتقوم ببطولة مسرحية (قلوب خالية) أمام سعيد صالح، وصلاح السعدني، وحمدي أحمد، بعدها اسند لها بطولة مسرحية (من أجل ولدي) مع علوية جميل، وحسين الشربيني.
وظلت (مديحة حمدي) تنتقل بخطوات ثابتة من مسرحية إلى آخرى حيث قدمت سلسلة من المسرحيات العالمية (المتحذلقات) من إخراج محمد مرجان، و(مريض بالوهم) من إخراج سعيد أبوبكر.
و(مقالب سكابان) إخراج حمدي غيث، لتنتقل بعدئذ إلى مسرح (الحكيم) ولتقدم مسرحيات (جان دارك) من إخراج أحمد زكي، و(نور الظلام) إخراج كمال ياسين.
ونظرا لنجاحها وتألقها تم انتدابها على غير ماهو متبع إلى المسرح القومي، لتقوم ببطولة مسرحية (في بلاد بره) من إخراج عبدالرحيم الزرقاني.
وفي هذه الفترة قامت ببطولة مسلسل تليفزيوني حقق نجاحا ساحقا في الشارع المصري وهو (لا تطفئ الشمس) قصة إحسان عبدالقدوس، وإخراج نور الدمرداش، بطولتها مع كرم مطاوع، وصلاح السعدني، وأنعام سالوسة، وزوزو ماضي، ومديحة سالم.
قدمت (مديحة حمدي) العديد من الأعمال المسرحية التى قام بتوثيقها (حارس ذاكرة) المسرح المصري، الباحث والناقد الدكتور (عمرو دوارة)، حيث قدمت (للمسرح الكوميدي) مسرحية السكرتير الفني (1962)، شارع البهلوان – (1964.