طلال عوكل يكتب: ليس هناك «فائض وقت»

وكالة كليوباترا للأنباء


 

 

معزوفة المصالحة تعود إلى الواجهة من جديد، وبشروط وأخرى مقابلها، وبلغة فوقية لا تنتمي إلى لغة التسامح والمصالحة، وتعكس في كل مرة يتم فيها تفعيل هذا الملف، فرق الظروف المؤثرة على طبيعة المصالحة، وفرق الحسابات والمخاوف. التوقيت الذي اختارته مصر لتفعيل هذا الملف مجددا بدعوة الطرفين إلى القاهرة، يتزامن مع نضج التحضيرات التي تجريها الولايات المتحدة للإعلان عن تفاصيل ما تسميه بصفقة القرن. ليس لدى الفلسطينيين رفاهية التعامل مع الوقت فيما التحالف الأمريكي الإسرائيلي، يواصل إسقاط الحقوق الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى، ويفرض المزيد من الوقائع التي تجعل من معالجة ملف قطاع غزة، بمعزل عن الضفة والسلطة، ما يجعل القطاع الحلقة الرابعة في مسلسل صفقة القرن. بعد ان اشتغل التحالف الأمريكي الإسرائيلي على إسقاط ملف القدس، وملف اللاجئين، وملف الاستيطان الذي تراه إدارة ترامب شرعيا، ولا يعطل عملية السلام، تكون غزة هي الفصل الرابع الذي ينبغي تهيئته، ليكون الكيان الفلسطيني. لم يبق فلسطيني واحد لا يعرف طبيعة وأهداف صفقة القرن، أو حتى آليات فرضها بالقوة على الفلسطينيين غير ان حسابات الفصائل الأساسية لا تزال تقتصر عن وعي ضروريات توفير عوامل المجابهة. في هذه الجولة من الحوار حول المصالحة، يتصرف كل طرف على أنه صاحب الأفضلية الذي يحق له ويستطيع أن يفرض آليات تحقيق المصالحة استنادا إلى حساباته.

حماس اليوم تملك العديد من الأوراق الهامة، فهي عدا عن ورقة القوة التقليدية المتمثلة بالسلاح، لديها ورقة الأسرى الإسرائيليين، ولديها ورقة الحراك الشعبي النشط والفعال والمستمر شرق قطاع غزة. انطلاقا من ذلك تتحدث عن شروط مسبقة من نوع تراجع السلطة عن العقوبات التي تطبقها منذ نحو خمسة عشر شهرا على القطاع، وتتحدث عن ضرورة الاعتذار عن فشل جولات المصالحة السابقة.

في المقابل تملك حركة فتح، ورقة الشرعية المدعومة دوليا وعربيا، وتتحدث عن ضرورة تمكين الحكومة ابتداءً، وقبل أن تقدم على أية إجراءات أخرى من ضمنها وقف الإجراءات العقابية. وتدرك السلطة وحركة فتح أن الوقت لا يخدم تأجيل المصالحة، ذلك أن حركة حماس يمكن أن تتعامل مع خيارات دولية وإقليمية وإسرائيلية، تقدم حلولا لقطاع غزة، تحت عنوان إنقاذها، ومعالجة أزماتها الإنسانية، الأمر الذي يعمق حالة الانقسام، ويخدم المخططات الأمريكية الإسرائيلية.

الحديث عن الوساطات والعروض، متواتر منذ بعض الوقت، ولا يدع مجالا أو فرصة لإنهاء الانقسام، ما لم يتم استثمار الدعوة المصرية. لا شك أن مصر لا تلاحق هذا الملف من باب تبرئة الذمة، او من باب قطع الطريق على المتطفلين، الذين يتوهمون القدرة على الاستحواذ على الورقة الفلسطينية. واضح أن دوافع مصر تنطلق من مصداقية الموقف السياسي، الذي يتمسك بالحقوق الفلسطينية، ويرى ضرورة تمكين الفلسطينيين من تقوية نضالهم لإفشال صفقة القرن. على أن نجاح هذه الجولة المرتقبة، من البحث عن سبل إنجاح المصالحة، ينبغي أن يبدأ بتقييم موضوعي للأسباب التي أدت إلى إفشال كل المحاولات، واتفاقيات المصالحة. وبرأينا فإن المشكلة الأساسية لا تتعلق بطبيعة الاتفاقيات، وإنما في آليات تنفيذها. الاستفادة من فشل المحاولات السابقة ينبغي أن يبدأ من أولا إسقاط الشروط المسبقة والشروط المقابلة ذلك أن كل ما يطرح من شروط قد أصبحت جزءا من متطلبات المصالحة.

ثانيا لابد من الاتفاق على ما يمكن اعتباره هدنة إعلامية، يمتنع خلالها الطرفان عن الإدلاء بأية تصريحات أو تهديدات أو اتهامات للطرف الآخر. ثالثا لا يمكن أن يستمر موضوع المصالحة رهنا بالحوار اتفاقا أو اختلافا بين فتح وحماس، فلقد اتسعت دائرة الانقسام لتصل إلى حد التشرذم، مما يعني أن كل الفصائل معنية بأمر المصالحة، وينبغي أن تكون شريكة، كل بقدر إمكانياته، أو شاهدا على الطرف المسؤول عن تعطيلها. رابعا يتضح أن المصالحة لا تتم وفق الآليات التي تم اعتمادها حتى اللحظة، وأن ثمة حاجة ماسة للاتفاق على خارطة طريق واضحة لتنفيذ المصالحة كرزمة واحدة، وفق آليات ومواعيد محددة، وضمانة مصرية قوية. فعلى سبيل المثال إن كانت حماس ستوافق على تمكين الحكومة فإنها بسبب أزمة الثقة، تريد أن تعرف بالضبط ما الذي ستحصل عليه، وما إذا كانت المصالحة ستؤدي إلى شراكة حقيقية تضمن وجودها ودورها بدون أن تتعرض لعمليات انتقامية. كما أن حركة فتح من الجهة المقابلة من حقها أن تطمئن على وجودها على رأس المؤسسة الوطنية، وتملك القدرة على إدارتها، إن كانت صناديق الاقتراع ستمنحها ذلك. ممنوع الفشل هذه المرة، وإلا من المستبعد أن تكون هناك محاولة جادة أخرى، في ظل السباق المحموم والجدي مع الإدارة الأمريكية الإسرائيلية لفرض صفقة القرن.


اضف تعليق

لا مانع من الإقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( وكالة كليوبترا للأنباء ).
الأراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها فقط جميع الحقوق محفوظة 2009 - 2015